لا يمكن أن ترتفع أمة فوق مستوى الأمم وتسود إلا إذا كان لها هدف أسمى تسعى دائبة مجتهدة إلى تحقيقه ، باذلة النفيس من الأموال ، والعزيز من كرائم الأنفس ، ومنقحة العقل ليستوعب الحياة بآفاقها ، ومهذبة الأخلاق لتواكب العميق من تجارب الناس ، ومعمقة مفاهيم الدين الواضحة الزكية في النفوس ، حتى لا تقف الحياة في مكان واحد ولا ينتهي العمر عند زمان واحد ولا تموت المعاني عند معنى فرد ، بل تنبسط الأرض وتمتد الأنفس وتتسع العقول ليكون الكون كله مسرحا لهذه الأمة العظيمة .
إن ما نراه اليوم من ضياع للأمة ، واندثار لمعانيها الكبار ، وغياب عن مسرح الكون إنما كان بسبب النظرة الواحدة لكل شيء ، النظرة المنبثقة عن الحياة التي يعيشها أهلها ، فالعلم وهو أزكى ما في الوجود أصبح بمنابره ومناصبه المهمة والمؤثرة متوارثا تلتهمه النظرة الواحدة للبيوت التي بدأ منها أو كان لها أثر واضح في تغيير الحياة أو إرساء دعائم ملك ، وأي محاولة للتصدر أو إبراز النفس ولو كان ذلك عن طريق الحرص على الناس ونفعهم وتزكيتهم دون النظر إلى حظ النفس فإنه يقابل بالاستهجان لهذا الفاعل ، والاحتقار لشخصه ومن ينتمي إليهم من قبيلة أو بلدة ! ولو كان الأحق بهذا الأمر ، والأعلم في ذلك العصر ، إنها نظرة تنم عن ضعف شخصية وبلادة حس وعدم شعور بواجب الوقت ، وقلة اكتراث بواقع الأمة وما تحتاجه في هذا الزمان ، ويخامر ذلك خوف شديد من ذهاب الوجاهة المتوارثة وغروب شمس السلطة المتناسلة .
والوزارة ( أوقفت ) ( بشوتها ) لفئات من المجتمع المخملي بغض النظر عن كفاءتهم في إدارة شؤون ما وكلوا به ، وبعيدا عن الخبرة المطلوبة لتفهم جوانب النقص في الأمة ومحاولة معالجتها وفق الأساليب الراقية العالمية المتماشية مع دين المجتمع وثقافته وإمكانياته المالية والبشرية والعقلية دون النظر إلى رغبات الوزير الخاصة وأهوائه الذاتية وقراراته المناسبة لثقافته الخاصة ..وهذه الفئات تحرص على توريث ما حققوه إلى بيوتاتهم وتفرض عليهم ثقافة عنصرية قائمة على الامتياز الخاص عن الآخرين ...!
والقارئ المتبصر في تاريخ الأمم يجد أن عقدة توارث المناصب الوزارية أو الكبيرة في الدولة كانت علامة من علامات الضعف والخور البادئة على وجه الأمة والمؤذنة بأفول شمسها ، كما نجد ذلك في دولة بني العباس ودولة بني أمية في الأندلس وغيرهما ..
والنسب كذلك بات علامة من علامات النبوغ والوجاهة عند فئات كثيرة من المجتمع ، وسواء كان هذا النسب إلى قبيلة مشهورة أو إلى عائلة كان لها شأن في مسيرة المجتمع أو مسيرة الحكم عن طريق التضحية في تأسيسه أو عن طريق العقائل الجميلات من خلال الزواج الآسر ، وكم من حاجة قضيت ومن شفاعة أجيزت ومن رغبات لبيت بسبب هذا الامتياز القاهر في مجتمع معقد قائم على التركيبة العشائرية ، والهيكلة الأسرية ، والتمايز البلداني ، فظهرت حالات الاحتقار الكبيرة في هذا المجتمع وتراشق الناس في مجالسهم بالعبارات النابية وكثرت الأشعار العنصرية ، وملئت الساحات بالنوادر التهكمية ، وأصبحت كلمة ( خضيري ) ( عبد ) ( لا أصل له ) ( صلبي ) ( أزرق ظهر ) ( بدوي ) ( حضري ) من أكثر الكلمات استخداما في مصطلحات الشتم العنصري ! كل ذلك يدل أوضح الدلالة على مدى ضيق الأفق عند الناس ، وسطحية الثقافة ، وقلة الدين ، والبعد عن أحاسن الأخلاق يمد ذلك مجتمع لم يهذب ، وتجاوزات من الكبار لا تبرير لها ..
وحتى لا أترك هذه الفقرة عماء أحب أن أقول بأنني لا أعني أن يبلغ الناس مرحلة تصل إلى حد الاندماج التام فهذه بعيدة كل البعد عن الواقع ومطالبة خيالية لا يقبلها عقل ، ولكني أطالب بقدر وافر من الاحترام والتهذيب والرضى بالأمثل والأقدر كيفما كان في أي مكان ، وأن تنمحي من ألفاظنا وخطاباتنا ومسامراتنا تلك السخرية المريرة ممن هم أقل منا طبقيا !
هذه نماذج تتقافز أمام أعيننا ولا نستطيع تجاهلها وهي تمازجنا وتصبغ حياتنا بألوانها الخاصة وتخضعنا لابتزازات نفسية وعقلية ، نماذج تبين مدى تأثير الاتجاه الواحد والنظرة الأحادية في مناح مهمة من الحياة لها انعكاساتها الفردية والجماعية والمؤثرة في مسيرة الأمة ككل ، والحق يقال ويعتقد بأن هذه النماذج ما هي إلا إفرازت لأمراض تنخر في جسد الأمة قد غفل عنها الناس أو تجاهلوها كعادة الناس ناظرين إلى مطامعهم وأهوائهم وما يؤثر عليها سلبا أو إيجابا ! وإنما سلطت الضوء على هذه الأعراض لأننا عندما نحدد العرض بدقة ونبين مدى أثره في حياتنا ونمط عيشنا وتفكيرنا فإننا نوجد حافزا جيدا يبعثنا من رقدتنا ويغير من نظرتنا القاصرة للأمور كي نعالج أوضاعنا ونتفهم الخلل فيها ومكمن الداء الباعث لها .
الدكتور سلمان الساخر